محمد بن وليد الطرطوشي
251
سراج الملوك
وكان يقال : من لم يغضب فليس بحليم ، لأن الحليم إنما يعرف عند الغضب . وقال الشّعبيّ : الجاهل خصم والحليم حاكم . قال الشّافعي : من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن استرضى فلم يرض فهو جبار ، وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يغضب ، ولكنه إنما كان يغضب لا لنفسه ، بل عند انتهاك حرمة ربّه . واعلم : أن الله تعالى ما مدح من لا يغضب ، وإنما مدح من كظم الغيظ ، فقال : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [ آل عمران : 134 ] . وقد أنشد النابغة الجعدي « 1 » بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم : ولا خير في حلم إذا لم تكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا « 2 » فلم ينكر النبي صلى اللّه عليه وسلم قوله . وكان ابن عمر إذا سافر ، استتبع سفيها ، ويقول : أستدفع به شر السفهاء عني . واعلموا - أرشدكم الله - أن أحسن خصال الملوك وأجلّها قدرا : - وهي حلية الأنبياء ، ولبسة الأصفياء ، وجمال السّوقة والرؤساء ، وأعظمها في النفوس موقعا ، وأعمّها على الرعايا نفعا ، وأخلدها على مرّ الأيام ذكرا ، وأكملها في المحافل والمحاسن نشرا ، وهي الفضيلة التي تعمّ سائر الفضائل ، وتكمل بها سائر المحاسن - الحلم . وها أنا أتلو عليك من ذلك ما يفضي فيه العجب . وهذه دولة آل العباس : أوّلهم أبو العباس السفاح ، وإلى يومنا هذا لم يكن فيهم ، أجلّ « 3 » من المأمون ، بلغ من حلمه أنه كان يقول : ( لو علم الناس مالي
--> ( 1 ) النابغة الجعدي هو قيس بن عبد لله بن ربيعة الجعدي العامري ، شاعر مخضرم من المعمرين عاش 120 سنة ولم يسقط له ضرس ولا سن كان سيد قومه ، كان ممن هاجر الأوثان ونهى عن الخمر قبل ظهور الإسلام وفد على النبي صلى اللّه عليه وسلم واسلم وأدرك صفين وشهدها مع علي رضي الله عنه توفي نحو سنة 5 ه . ( الأعلام 5 / 207 ) . ( 2 ) أورد خلاف أصدر : ويقال ورد الماء إذا جاءه وصدر عنه إذا رجع ، ويقال : أصدر الأمر : أي أبرزه وأوضحه . ( 3 ) في ( خ ) أحلم من المأمون .